برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للأيدز في الدول العربية ينظم ورشة عمل للمدونين والإعلاميين المستقلين من أجل التجاوب مع الأيدز ودعم وتعزيز حقوق المتعايشين في الوطن العربي
القاهرة :
" حالة من الترقب والانتظار لم تدم طويلاً، حيث أعقبها شعور بالمسئولية والإلتزام تجاه مجابهة الأيدز .. الذي يعد واحد من أهم وأخطر التحديات التى تواجه الإنسان العربي، ومنظومة التنمية في المنطقة " .. هكذا عبر غالبية المشاركين في ختام ورشة العمل التدريبية التى أقامها برنامج الأمم المتحدة الإنمائيِِ/ البرنامج الإقليمي للأيدز في الدول العربية بالقاهرة لفريق من المدونين والإعلاميين المستقلين، في الفترة من 5 إلي 8 مايو الحالي.
الورشة التى ضمت سبعين من المدونين والمبدعين والإعلاميين العرب تراوحت فعالياتها ما بين جلسات للعرض والنقاش وتدريبات عملية جاءت في محورين أساسيين، الأول حول كيفية التجاوب الإيجابي مع الأيدز، و الثاني حول تقنيات فهم وتحليل النصوص الإعلامية، المقروءة منها أو المسموعة أو المرئية، وذلك بهدف حشد العاملين والمهتمين بمجال الاعلام المستقل وتمكينهم ليكونوا أكثر قدرة على تقديم القضايا المتعلقة بالأيدز بطريقة تؤدي لمحاربة الوصم وحماية وتعزيز حقوق المتعايشين مع الفيروس.
في البداية، رحبت د. نيفين جرجس - مستشارة البرامج بالمكتب الإقليمي للدول العربية بمقر الأمم المتحدة في نيويورك - بالمشاركين في الورشة، مؤكدة لهم على أهمية دور الإعلام العربي في توفير أجواء آمنة تتيح للمتعايشين مع الأيدز الحياة في محيط سلمي ومريح، لافتة الإنتباه إلي علاقة ذلك بمسيرة التنمية في الوطن العربي. وأشارت د. نيفين إلى أن الإنسان سيظل مركز أي عمل تنموي، وأنه يجب التجاوب مع الأيدز إنطلاقاً من هذا المنظور لما لهذا التناول من تأثير على حياة الأفراد والاستقرار الذي ينشده أي مجتمع .
كما ذكرت الدكتورة خديجة معلى مستشارة سياسات الإيدز ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمنسقة الأقليمية، بعد أن قدمت لفعاليات الورشة، أن الأيدز ليس مجرد فيروس وإنما يتخطي ذلك إلي الصورة الذهنية السلبية التى تكونت لدينا عنه في بلداننا العربية، مشيرة إلى أن جملة من الأفكار الخاطئة هي التى تقف وراء ما يعانيه المتعايشيين مع الأيدز من وصم وتمييز.
وتأتي أهمية الورشة، إنطلاقاً من أن الأيدز أصبح خطراً يتهدد المنطقة العربية، حيث أظهرت التقديرات الإحصائية التي وردت في تقرير برنامج الأمم المتحدة (يونيدز) لعام 2006 تزايد معدلات الإصابة بالفيروس في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 12%، وعليه فقد وصل عدد المتعايشين إلي مايقرب من 460000 نسمة من البالغين والأطفال مقارنة بحوالي 400000 نسمة طبقا لتقديرات عام 2004.
الأيدز في الدول العربية
في إطار توعية المشاركين بقضية الأيدز في الوطن العربي، قدم د. إيهاب الخراط كبير المستشارين بالبرنامج عروضاً تقديمية تناولت مجموعة من الحقائق والأرقام حول الأيدز، حيث قارن معدلات الإصابة به في المنطقة العربية ببقية مناطق وأقاليم العالم المختلقة، موضحاً أن 10% فقط من إجمالي مرضى الأيدز في وطننا العربي الذين تقدر أعدادهم بـ 46.000 هم من يعرفون بالإصابة.
وفي معرض إجابته على اقتراح أحد المشاركين أن يكون التحليل لمعرفة الإصابة بالأيدز من عدمه إجبارياً، قال بإن تجارب سابقة أثبتت فشل ذلك. وأوضح الخراط أن الأيدز لم يعد - في حد ذاته - مشكلة طبية بقدر ما أصبح مشكلة مجتمعية بسبب ما يعانيه المتعايشين مع المرض في وطننا العربي من وصم وتمييز، مدللاً على ذلك بنجاح التجربة المغربية في مجابهة الأيدز بعدما تغير الخطاب الديني في المجتمع المغربي من الإدانة للمريض إلي التعاطف والدعم.
كما قدم الخراط تطبيقاًعملياً على إطار ويلبر التحليلي يتضمن التعرف على العوامل التحتية المباشرة وغير المباشر لانتشار الأيدز في المنطقة، وآخر تحت عنوان " الإنصات والاستكشاف المواجدي: التغيير في مجال الأيدز" مبيناً أن أزواجية الميل أمر طبيعي لدى البشر، فدائماً ما توجد الحيرة تجاه فعل أحد شيئيين أو اختيار أحد خيارين أو اتخاذ أحد موقفين. وأوضح الخراط أن حشد التعاطف تجاه الموقف الراحم لمريض الأيدز يتطلب التعامل مع إزدواجية الميل الموجودة لدينا بناء على مجموعة من الأسس والمبادئ، وقد قسم الميسرون المشاركين لمجموعات بهدف تدريبهم على هذه المبادئ التى تهدف إلي بناء التزام حقيقي وإيجابي تجاه المتعايشين مع الأيدز.
وكانت صفاء صباح - أحد أفراد فريق هارباس- قد قدمت نبذة عن أعمال البرنامج في الدول العربية، مستعرضة تاريخ أهم وأبرز المبادرات التى أطلقها في المنطقة منذ نشأته، وما حققه من خطوات ثورية ورائدة من أجل الوصول لمستوى أعلى من الوعي والإيجابية للتجاوب الأمثل مع الأيدز. جدير بالذكر أن هارباس تمتلك مبادرة على عدة جبهات، كمبادرة القادة الدينيين ومبادرة رجال الأعمال للتجاوب وإنشاء شبكة للجمعيات الأهلية مع الأيدز.
كما استعرض الشيخ أحمد تركي أمام وخطيب مسجد النور بالعباسية ( مصر ) في نبذة مختصرة مبادرة القادة الدينيين في الوطن إحدى أبرز مبادرات البرنامج والتى نتج عنها شبكة الهيئات الإيمانية لمواجهة الأيدز ( شهامة ) وتضم قرابة 3000 من القادة والقائدات الدينيات من المسلمين والمسيحيين العاملين في مواجهة الأيدز بالعالم العربي.
الأقليات الجنسية
وألقى د. أوسم وصفي – ماجيستير الأمراض النفسية - محاضرة عن مفهوم الأقليات الجنسية في إشارة إلي المثليين، تضمنت مجموعة من الأرقام والإحصاءات التى تكشف عن نسب تواجدهم داخل المجتمعات التى يعيشون فيها مبيناً في كلامه طبيعة العلاقات المثليية وأنواع الممارسات الجنسية المنتشرة بين هذه الفئة، وعلاقة ذلك بالإصابة بالأيدز، وفي إجابته على سؤال هام حول إمكانية تغير الميول الجنسية، قال بأن الدراسات العلمية والخبرات العملية تؤكد ذلك، سارداً عدد من التقنيات المتبعة في هذا الإطار .
كما قدمت ألفت علام – أخصائية العلاج النفسي – محاضرة تحت عنوان " العنف ضد النساء " كشفت فيها عن أنها ظاهرة عالمية كما أنها لاترتبط بمستوى تعليمي أو مهني معين، مشيرة إلى أن من أهم مظاهر ذلك زنا المحارم واستخدام التهديد لمعاشرة الفتيات جنسياً، والتحرش الجنسي في أماكن العمل ووسائل المواصلات، وممارسة الجنس بالقوة بين الزوجين، وتشويه الأعضاء التناسلية للمرأة، والإعتداء على المرأة من قبل نساء مكلفين بالرعاية . كما بينت علام أن من الأسباب التى تقف وراء هذه الظاهرة في الوطن العربي الوضع الأسري والموروث الثقافي، وعدم إفصاح النساء بتعرضهن للعنف، وتقبل المجتمع لمضايقات المرأة في الشارع ووسائل المواصلات، والتمييز بين المرأة والرجل في التعليم وأماكن العمل، وتفشي البطالة بين الناس. وفي الختام، ألقت علام الضوء على بعض وسائل إيقاف هذا العنف أو الحد منه .
من ناحية أخرى، قدم م. أيمن غالي - أحد أفراد فريق هارباس- محاضرة تحدث فيها عن الدوافع التى تدفع بالمدمن للدخول إلى عالم الإدمان، موضحاً أن مظاهر الإدمان في حياتنا متعددة، حيث تتجاوز إدمان المخدرات إلي أمور أخرى كثيرة كإدمان التسوق، ومشاهدة التليفزيون .. إلخ . وبين غالى أن تعاطى المخدرات عن طريق الحقن بيئة خصبة للإصابة بالأمراض الفيروسية وفي مقدمتها فيروس الأيدز. وعدد غالي بعض سبل الحد من العدوى بفيروس الأيدز بين المدمنيين، كما استعرض أحد المشاريع الناجحة للتحرك العملي للحد من ظاهرة الإدمان ( برنامج 12 خطوة لكيفية التعافي من الإدمان ) وما لذلك من انعكاس إيجابي للحد من تفشي الأمراض الفيروسية بينهم.
عائشة .. الوجه الآخر للأيدز
وتحدثت عائشة .. إحدى المتعايشيات مع الأيدز – أم لثماني أطفال - إلى المشاركين بالورشة عن تجربتها منذ أن أصيبت جراء نقل دم ملوث بالفيروس إليها أثناء إجراء جراحة عاجلة لها بإحدى المستشفيات، واصفة للحضور ما لاقته وأفراد عائلتها من وصم وتمييز نتيجة انتشار الأفكار الخاطئة والمغلوطة عن الأيدز، وكيف أن أول من وصمها بالمرض كان الطبيب المعالج نفسه. وحكت عائشة كيف أنها عانت - في البداية - بسبب عدم قدرتها توفير الدواء المناسب بسبب ارتفاع أسعاره.
وبالرغم من أن صدمة عائشة عند معرفتها بالإصابة جعلتها تنعزل وتنسحب من الحياة، إلا أنها قررت العودة مرة أخرى بفضل إيمانها بالله وبعدما تلقت دروس الإرشاد النفسي ومعرفتها بحقيقة مرض الأيدز، حيث قررت الصمود ومواجهة المرض. أصبحت عائشة التى تلقت دعماً كبيراً وتقدير بالغ من كل الحضور بالورشة الآن إحدى الرائدات اللاتي يدعمن المتعايشات مع الأيدز في بلدها، ومنبر إعلامي فصيح ينادي بحقوق المتعايشين كلما سنحت الفرصة لذلك.
تدريبات وأنشطة إعلامية
بالإضافة إلى ما سبق، تضمنت الورشة جلسات عمل للتدريب والنقاش المكثف حول تقنيات فهم وتحليل النصوص الإعلامية، المقروءة منها أو المسموعة أو المرئية، حيث تناول د. أسامة القفاش – أكاديمي ومخرج سينمائي- بالنقد والتحليل نموذج لفيلم هندي يوظف جملة من المعلومات الدقيقة والهامة عن الأيدز في رسالة غير مباشرة وبأسلوب سهل ومقنع وممتع فنياً أيضاً. وقدم القفاش أيضاً تدريباً عملياً حول التحليل النصي للكلمات والذي يعد الآن أحد الأساليب النقدية الحديثة، كما قام برصد الأصول الثقافية للفكر الإنتحاري وانعكاسات ذلك على وسائل الإعلام العربي .
وكانت الإعلامية أمال علام- المستشار الإعلامي للبرنامج - قد استعرضت الدراسة التى قام بها البرنامج حول الأيدز في الصحافة العربية، بهدف تحليل المحتوى الصحفي لعدد من الصحف ومواقع الإنترنت العربية والأستفادة من ذلك في خلق نوع من الحوار بين الإعلاميين العرب لمعرفة ما ينبغي أن يكتب ومالا يجب أن يكتب عن الأيدز من خلال ورش العمل التي ينظمها البرنامج .
كما قدم شريف عبد العزيز - أحد أفراد فريق هارباس وصاحب فكرة إقامة الورشة ذاتها - محاضرة عن " الأيدز في عالم المدونين " تضمنت مفهوم التدوين، تاريخه ونشأته، كما رصدت كتابات المدونيين العرب عن الأيدز، مقترحاً تناول مساحات جديدة أكثر أهمية وتأثيراً كالوصم والتمييز الذي يعانيه المتعايشون مع المرض، وضرورة النظر إلى القضية من منظوري التنمية وحقوق الإنسان.
افتكاسات واقتراحات المشاركين
وكان عدد من المشاركين في الورشة قد قدموا اسهامات جيدة ( وليدة اللحظة ) جاءت كثمرة من ثمرات التفاعل الإيجابي مع فعاليات الورشة، منها إطلاق جروب على الفيسبوك AIDS and Beyond كان من باكورة أعماله ( لوجو خاص ) يدعو إلي دعم المتعايشين مع الأيدز، و (فيديو كليب ) لمكافحة الوصم والتمييز الذي يمارس ضدهم . كما أبدع عدد من الحضور أبياتاً من الشعر وقصة قصيرة لذات الغرض .
جدير بالذكر أن هارباس تتولى تنفيذ أنشطتها في المنطقة، إنطلاقاً من أن الإعلام شريك أساسي في دعم قضايا الأيدز في المنطقة العربية . وفي هذا الإطار، نظم البرنامج الإقليمي للأيدز مجموعة كبيرة من ورشات العمل، كانت الباكورة في عام 2005 بتنظيم ورشة عمل حضرها حوالي 100 إعلامي من الدول العربية الذين أظهروا تجاوباً كبيراً تجاه الأيدز في المنطقة، وبالتعاون مع وكالة رويترز نظم البرنامج ورشة عمل للإعلاميين لزيادة قدرات الصحفيين في دعم قضايا الأيدز من خلال المادة المقروءة، إلي جانب دعم الإعلام الديني بتنظيم ورشة عمل حضرها مائة مشارك من العاملين في الإعلام الديني الإسلامي والمسيحي.
|